وصفتي
وصفتي
تخشى كل امرأة من صفة عاقر التي تهدد حياتها الزوجية فيسيطر عليها القلق والتوتر. وإذا تأخر حمل المرأة المتزوجة تشعر بالإحباط والعجز وتفقد ثقتها بنفسها، فتلجأ أحياناً إلى الدجالين والمشعوذين ومروّجي الأفكار المميتة. وفي المغرب تعمد بعض النساء خلال أيام عيد الأضحى إلى جمع مئة قطعة لحم أضحية لأسر تكون فيها الزوجة ولوداً من أجل معالجة عقم امرأة حرمت نعمة الإنجاب، وتعرف عادة جمع اللحم هذه لدى المغاربة بـ «قديد العاقر»، فيُطهى هذا اللحم مع الكسكس ليلة عاشوراء وتأكل منها المرأة العقيم ليتم الفرج وتنجب...


مهددة بالطلاق
تحكي إحدى النساء أنها لم تترك باب طبيب إلا طرقته، فزواجها لمدة سبع سنوات، لم يشفع لها بأن تبحث عن حل عاجل لإكتئابها. نجت من طلاق محقق، أعيتها الحيل والكشوفات الطبية إلى أن حل عيد الاضحى وعزمت على تنفيذ وصفة «قديدة العقم» أو كما تسميها المغربيات «كديدة العاكرة». وما إن مرّ العيد وأكلت القديد في احتفالية ليس لها نظير حيث رقصت مع النساء ولبست أحسن القفاطين وتزينت، حتى سمعت الجارات بخبر حمل المرأة التي أنجبت طفلا... إن حصول الحمل بعد هذا الحدث جعل كل النساء اللواتي حضرن أو سمعن بهذا الخبر يعتقدن اعتقاداً جازماً أن القديد فعلا يعالج العقم، ولو كان الأمر كذلك لكانت النتيجة أن تغلق مختبرات الأبحاث العلمية والطبية أبوابها، وأن يعمل أطباء النساء والولادة بالمداومة لجمع قديد العيد بدل جمع التحاليل الطبية وصور الأشعة ووصف الأدوية المناسبة لكل حالة...

تسلية سنوية
لم تعد رحمة التي أمضت عشرين سنة من الزواج دون إنجاب تكترث وصديقاتها إلا لحلول عيد الأضحى من أجل جمع قديدة العقيم من أجل التسلية والاجتماع حول مئة قطعة لحم يظن مانحوها من الأسر أنهم تضامنوا مع امرأة محرومة من الإنجاب ستشفى حالتها بمجرد تناول الطعام.
لم تخفِ رحمة أن أمر التسلية أصبح طاغيا لديها لما يضفيه عليها وعلى بعض جاراتها من بهجة الاجتماع. ولكي لا يفضح أمرها تعتمد رحمة وصديقاتها على عدم اللجوء إلى أسر تسكن الحي نفسه، فهي تتخذ من الأحياء الشعبية للرباط مناطق مدروسة تتجه إلى بعضها هذه السنة لتتجه إلى البعض الآخر في السنة التالية، تستعطف الناس بأنهم لم يحرموا من الذرية، وتستعين في ذلك بفرق من النساء يجتمعن على الكسب كما يجتمعن على القصعة في نهاية المطاف، يتبادلن الضحك على من صدقهن أن قديد هذه السنة سيكون العلاج النافع لحالة عدم الإنجاب.
إلا أن زهرة سيدة  في الخامسة والثلاثين من عمرها، تزوجت وهي ابنة 19 سنة ولم ترزق ذرية، ولا تزال تعيش حياة ملؤها المودة والرحمة والتفاهم مع زوجها. 
وقد طرقا أبواب العيادات الطبية من أجل الإنجاب ليتم تشخيص حالتهما بكون الزوج لا يملك الحيوانات المنوية، وهو ما يعني استحالة الإنجاب. إلا أن هذين الزوجين لم يفقدا أملهما. كثيرات حدّثنها عن وصفات شعبية ومنها جمع «مئة قديدة عيد الأضحى»، إلا أنها، حسب قولها، لم تستجب لشيء ينافي العقل والمنطق السليم.
من جهتها، قالت نجاة إنها جربت «قديدة العقم» مرات عديدة لكنها لم تفلح في مبتغاها، مما دفعها إلى التكفل بأحد الأطفال المتخلى عنهم، وهي الآن تعيش في سعادة تامة مع أسرتها.

أزمة وجودية
يرى الطبيب النفسي أحمد المطيلي أن الأمر يحتاج أولا إلى إجراء دراسة أنتروبولوجية لمعرفة أصول هذه العادات من حيث المكان والأشخاص والمعتقد.
وأوضح أن هناك قاعدة أساسية مفادها أن المرء حين يتعرض لمشكلة أو مرض أو أزمة ما، ومنها العقم سواء للرجل أو المرأة، فإنه يصبح معرضا للضعف. والمرء يعتقد أن الإنجاب بالنسبة إليه رمز للاستمرارية، فأزمة عدم الإنجاب وجودية، وبالتالي يصبح عدم الإنجاب مدعاة للقلق والضعف، ومن هنا يبحث المرء عن حلول، ويفقد قدرته على إعمال العقل مما يسقطه في عالم الشعوذة والخرافة ومنها علاج العقم بالقديد.
ويوضح المطيلي أن حل هذه الأزمة يتطلب العلاج النفسي إضافة إلى العلاج الطبي، فالعلاج النفسي ضروري لأنه تبين في الآونة الأخيرة أن الجانب النفسي هو من أسباب العقم، لأن عددا من الحالات ولا تكشف أسبابا عضوية للعقم ليتبين أن هناك أسبابا نفسية قد ترجع إلى الخوف من الإنجاب منذ الطفولة، أو الصراعات الأسرية وأثرها النفسي. وبخصوص النساء اللواتي يتخذن عادة جمع القديد من باب المرح فإن المطيلي يرى فيها تسلية على حساب معاناة الآخرين.
 
Top